2009-04-04

أبو عبد الله الشيعي داعي دعاة الدولة الفاطمية

هو أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا المعروف بالشيعي ، من رام هُرْمُز[1] ، وأصله من الكوفة ، كان محتسباً بسوق الغزل بمدينة البصرة ، وقيل إنما المحتسب أخوه أبو العباس محمد [2]. ،كان من الرجال الدهاة الخبـيرين بما يصنعون ، دخل إفريقية وحيداً بلا مال ولا رجال[3]، يعرف بالمعلم ، كان يعلم الناس مذهب الإمامية الباطنية ، واتصل بالإمام محمد بن جعفر ، ورأى أهليته فأرسله إلى ابن حوشب[4]، صاحب اليمن _وأمره بامتثال أمره ، والاقتداء بسيرته .ثم يذهب بعدها إلى المغرب ويقصد بلد كتامة [5] ، صحب ابن حوشب و لزمـه وشهد مجالسه وأفاد علمه وصار من كبار صحابته ، وكان له علم وفهم ودهـاء ومكر ، فورد على ابن حوشب من المغرب خبر موت الحلواني داعيه في المغرب ورفيقـه [6]، فقال لأبي عبد الله الشيعي " إن أرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلواني وأبو سفيان ، وقد ماتا ، وليس لها غيرك ، فبادر فإنها موطأة ممهدة لك " [7]. وقد ذكر المقريزي [8]أن ابن حوشب قال :لأبي عبد الله الشيعي " قد خرّب الحلواني وأبو يوسف بلاد المغرب ، وقد ماتا وليس للبلاد إلا أنت " . بهذا تبدأ مهمة أبو عبد الله الشيعي التي فُـوِضَ بها من قِبَل الإمـام محمد بن جعفر ، وحاكم صنعاء ابن حوشب للقيام بمهمة الدعوة في أرض المغرب ، كذلك رداً على ما أورده المقريزي في اتعاظ الحنفا أن أرض كتامة من المغرب باتت ممهدة للشيعي ، ويرجع الفضل في ذلك إلى الحلواني و أبـي سفيان ، إلا أن ذلك ورد بالنفي في الخطط المقريزية في أن ابن حوشب كان على ثقة بأن أبا عبد الله الشيعي يمكنـه إنقاذ ما خربه الحلـواني وأبو يوسف ( أبو سفيان ) ، بالإضافة إلى ما أُسند إليه من أمر الدعـوة التي عجز الحلواني وأبو سفيان في تبليغها بالرغم مما يؤكده ابن حوشب للشيعي بأن بلاد المغرب أصبحت ممهد له ، فالتمهيد هنا قد يكون الاستعداد النفسي لأهل المغرب لقبول الدعوة والخلفية التي أُعطيت لهم من الحلواني ورفيقه بالرغم من فشلها. كما يؤكد ابن عذاري[9] حاجة بلاد المغرب إلى داعية في قوله : ( أخذت الشيعة في إرسال دعاة إلى سائر النواحي فلا ينجح لهم سعي ، ثم تفاوضوا و تراسلوا على أن يُرسلوا داعياً إلى المغرب يدعوا الناس إلى التدين بحب أهل البيت ، فتكاتبوا بذلك من سائر الآفاق، فاختاروا منهم رجلاً ذا فهم وفصاحة ، وجدال ومعرفة ، يسمى أبا عبد الله الصنعاني وجمعوا له مالاً يتقوَّى به على سفره ) . فيؤكد ابن عذاري ما ذكره المقريزي في خططه من فشل الحلواني ورفيقه في دعوتهما ، وعدم نجاح سعيهما ، وما حلّ بهذه البلاد من خراب ، كما يؤكد أن اختيار الشيعي لم يتم بموجب رغبـة فرديـة من ابن حوشب فحسب ، وإنما تم الاختيـار بناءً على رأي جماعة من خيرة القوم ليصبح أبا عبد الله الشيعي سفيراً لدعوتهم في المغرب، لما جمعه من صفات الفهم والفصاحة ، والجدل والمعرفة ، ومن هنا يتضح أن دعوة الشيعي قائمة على دعوة الناس للتدين بحب أهل البيت ، وكذا العمل على إصـلاح ما فسد ممن سبقه من الدعاة ، وإرساء قواعد الأمن والاستقرار .
وصل الشيعي إلى بلاد المغرب ومن شدة رغبة أهل هذه البلاد في إكرام وإجلال الشيعي أنه بمجرد وصوله إلى بلادهم ( اقترعوا فيمن يضيفه منهم ، وقد وصلـوا به إلى أرض كتامة للنصف في ربيع الأول سنة ثمان وثمانـين ومائتـين ، وكادوا يتحاربون عليه أيهم ينزل عنده، فأبى أن يـنزل عنـدهم ، وقـال : أين يكـون فج الأخيار ؟؟؟[10] )[11]، وعند سؤاله عن فج الأخياركان رد فعل رجال كتامة أن (عجبوا من ذلك ، ولم يكونوا ذكروه له)[12] ، ويظهر من معرفته بفج الأخيار الطريقة السلمية التي أراد بها الشيعي دخول إفريقية ودراسته المسبقة للمواقع التي سيدعو فيها،وخاصة أن دخوله لهذه البلاد لم يكن نتيجة لحروب متواصلة أو حملات استطلاعية مسبـقة يتعرف من خـلالها على أبرز المـواقع في هذه البلاد وأوضـاعها السياسية والاقتصادية و الاجتماعية والدينية ، وربما كان سابقيه على دوام الصلة بابن حوشب لإطلاعه على أحوال البلاد . ومن الغريب أن رجال كتامة لم يتدارسوا فيما بينهم معرفة الشيعي بمثل هذا الموقع ، ونيته المبيتة في تأييدهم لدعوته وأنهم هم الهدف الذي قصده ، سار الشيعي إلى جبل يقال له :" إيكجان" [13] ، وفيه "فج الأخيار" فقال : هذا فج الأخيار وما سمي إلا بكم، ولقد جاء في الآثار : للمهدي هجرة تنبؤ عن الأوطان ، ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان قومٌ اسمهم مشتقٌ من الكتمان ، وبخروجكم في هذا الفج سُمي فجّ الأخيار" [14]،أخذ الشيعي يعرفهم بهذا المكان وكأن ما جاء في المصادر والكتب هو بمثابة أمر خارق أو معجزة ، تشير إلى ظهور هذه الجماعة التي اشتق اسمها من الكتمان مما يؤكد سذاجة الكتاميين ، حيث يذكر البعض ( أن أكثر سكان البلاد التي قام فيها الإسماعيليون بنشر مذهبهم لا يزالون متمسكين بعقائد هذا المذهب إلا سكان بلاد المغرب حيث لم يبق للإسماعيلين بقية فيوضح بعض المؤرخين سبب ذلك ( إلى جهل الـبربر وعدم استعدادهم لفهم مذهب الإسماعيلية بدرجـاته المختلفة المتدرجة في الصعوبة، كغيرهم من أهالي الأقطار الأخرى -كفارس ومصر -التي يمتاز أهلها بالحضارة وسمو الفكر) [15].
يؤكد هذا أن الشيعي ما أراد إلا قوم عُرفوا بالتشدد الديني و الأخلاقي وإن لم يفهموا ما جاء به الشيعي ، وذلك ليكونوا بمثابة حصن يتحصن به ، وليعملوا على حمايتـه ليضمن نشر دعوتـه ، ويمكن إثبات هذا القول أنه عندما ( سمعت القبائل به وأتاه البربر من كل مكان ، عظم أمره إلى أن تقاتلت كتامة عليه مع قبائـل البربر فاجتمع أهل العلم على مناظرته وقتله ، فمنعه الكتاميون من المناظرة ، وكان اسمه عندهم " أبا عبد الله المشرقي " ) [16].
ومما يجدر بالملاحظة أن دول الشمال الإفريقي تتميز بالجدل الفكري و التشدد الديني و المذهبي وإن كان ذلك خارجاً عن جادة الصواب وبالأخص العامة منهم ممن لم يتعمقوا بمذاهبهم . ويشير بعض المؤرخين إلى ما وصلت إليه أمر هذه الدعوة حيث قيل ( فليس من عجب إذا لم يتعمق البربر في فهم مذهب الإسماعيلية وتعاليمه والتي تحتاج إلى الفكر ، وإنمـا اعتنقوه لأول وهلة وبلا عناء أو تفكير ، فلم يكن ثمة ما يساعد على رسوخه في نفوسهم ، مما أدى بهذا المذهب إلى الزوال من بلاد المغرب .. ) [17] .
هذه الدراسة من بحث مقدم لدرجة الماجستير نوقشت عام 2004م ، بعنوان / إنجازات الوزراء العظام في مصر في العصر الفاطمي - دراسة حضارية آثارية- إعداد/ علياء عبد المجيد.
المراجع :
1- هي كلمة مركبة من لفظين : رام لفظة فارسية ومعناها : مقصود أو مراد ، وهرمز أحد الأكاسرة ، ورامهرمز اسم مختصر من رامهرمز أردشير ، وقال ياقـوت أنها " مدينة مشهورة بنواحي خوزستان " و العامة يسمونها رامز كسلا . ( راجع، المقريزي ، تقي الدين أحمد بن علي ، اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا ، تحقيق / الشيال، جمال الدين ، وزارة الأوقاف ، المجلس الأعلى للشؤون ، القاهرة ، 1416هـ/1996م ، ط2 ، ج1 ، حاشية (3 ) ، ص51)
2- المقريزي ، اتعاظ الحنفا ، ج1 ، ص51 . 3-ابن خلكان ، أبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر ( ت 608 _ 681 ) ، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ، تحقيق / عباس، إحسان ، دار صادر ، بيروت ، ج2 ، ص192 . 4- قدم على جعفر بن محمد _ والد عبيد الله -من أهل اليمن رجل من أولئك الشيعة ، يعرف بعلي بن الفضل ، فأخبره بأخبار اليمن ، فبعث معه أبا القاسم رستم بن الحسين بن فرح بن حوشب بن ذاذان الكوفي _ من رجالات الشيعة _ وقال له : ليس لليمن إلا أنت ، فخرجـا من القادسية سنة ثمان وستـين ومائتين ، ودخلا اليمن على حين انخلع محمد بن يَعفُر _ ثاني ولاة اليعفريين على صنعاء والجند ولي من 259 إلى 279هـ _ من الملك وأظهر التوبة ، فدعوا للرضى من آل البيت وظهـرت الدعوة سنة سبعين ، وتسمى أبو القاسم بالمنصور ، وابتنى حصناً بجبل لاعة _ كانت منطقة لاعـة من المواضع الأولى التي ظهرت بها الدعوة الفاطمـية وقد كانت مقراً للداعيتين علي بن الفضل ، وأبي عبد الله الشيعي _ وزحف بالجيوش ، وفتح مدائن اليمن ، وملك صنعاء ، وأخرج بني يعفر ، وفرّق الدعـاة في اليمن والبحـرين واليمامة ، والسنـد والهند ، ومصر والمغرب ، ( انظر ، المقريزي ، اتعاظ الحنفا ، ج1 ، ص51 ) . 5- يقال أن كتامة من ولد كتامة بن أفريقش بن صيفي بن سبأ الأصغر ، وقيل : أفريقش ابن زرعة وهو حمير الأصغر ، وقيل : هو قيس بن زرعة بن زهير بن أيمـن ابن هيسع ( كذا ) ابن حمير ، يقال : أفريقين بن صيفي ، وقيل : أن كتامة أخوة صنهاجة " ( راجع، المقريزي، اتعاظ الحنفا ، ج1 ، ص55 ) . 6- الحلواني وأبي سيفين ( أبي سفيان ) أنفذهما جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب _ عليهم السلام _ إلى بلاد المغرب في سنة خمس وأربعين ومائة ، وقال لهما : أنكما تدخلان أرضاً بوراً لم تحرث قط ، فاحرثاها وكرماها وذللاها حتى يأتي صاحب البذر ، فيضع فيها حبة فنزل أبو سفيان من أرض المغرب مدينة مرماجنة ، ونزل الحلواني بموضع يسمى سوق حماد ، فلم يزالا يدعوان الناس لطاعة آل البيت حتى استمالا قلوب جمع كثير من كتامة وغيرهما إلى محبة آل البيت ، وصاروا شيعة لهم إلى أن دخل إليهم صاحب البذر أبوعبد الله الشيعي بعد مائة وخمس وثلاثين سنة ، وكان من أمره ما كان ( راجع ، المقريزي ، اتعاظ الحنفا ، ج1 ، ص41 ) . 7-المقريزي ، اتعاظ الحنفا ، ج1 ، ص55 .
8- المقريزي،تقي الدين أبي العباس أحمد بن علي ، المواعظ و الاعتبار بذكر الخطط والآثار ، مكتبة الثقافة الدينية ، ج1 ،ص349 .
9- ابن عذاري المراكشي ، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، دار الثقافة العربية ، بيروت ، 1980م ، ج1 ، ص124 .
10-فج الأخيار في جبل إيكجان في أرض كتامة على مقربة من مدينة قسنطينة ، تعرف بمناعتها ، يسكنها قبائل من كتامة ، وكانت بها أسواق عظيمة ، وكانت كبـيرة آهلة بالسكان وهي من مدن الشرق الجزائري على البحر المتوسط ، و فيه أقام أبو عبد الله الشيعي ، وسماه دار الهجرة ( فهو مركز حركته ومجمع أنصاره من البربر ) ، وأن إيكجان يقع في منتصف الطريق بين طنجة و فاس وإيكجان جمع حاج (حجاج ) وكانوا يطلقون عليه منذ قديم الزمان tzajjan وهو محل اجتماع الحجاج من الأندلس وشمال المعرب الأقصى، ( راجع ، حسن إبراهيم حسن ، الفاطميون في مصر ، ص56 ) .
11- النويري، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب ( ت / 677_733هـ ) ، نهاية الأرب في فنون الأدب ، تحقيق / أمين، أحمد و محمد حلمي، مركز تحقيق التراث ، القاهرة 1412هـ_1992م ، ج28 ، حاشية (1) ، ص80 و المقريزي ، الخطط ، ج1 ، ص350 .
12-المقريزي ، الخطط ، ج1 ، ص349 .
13-إيكجان : جبل بالقرب من قسنطينة ، فيه قبائل كتامة ، وهم كرام وقد فنوا ، وقد سماها الشيعي دار الهجرة . (راجع ، المقريزي ، اتعاظ الحنفا ،ج1 ،ص57) .
14-المقريزي ، اتعاظ الحنفا ، ج1 ، ص57 .
15-حسن ، الفاطميون في مصر، ص56 .
16-المقريزي ، اتعاظ الحنفا ، ج1 ، ص57 . 17- حسن إبراهيم حسن ، الفاطميون في مصر ، ص56 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق